بابــــل الجديدة

الإثنين07162018

Last updateالأحد, 15 نيسان 2018 9pm

Back أنت هنا: الرئيسية ثقافة القيثارة تهزم المدفع

ثقافة

القيثارة تهزم المدفع

 
 

 









القيثارة تهزم المدفع
 

بقلم علاء عبد الهادي / مصر


بهذه الجملة القصيرة لخص الشاعر العراقي الكبير علي الشلاه الهدف من تنظيم »‬مهرجان بابل للثقافات والفنون العالمية في دورته السابعة».. هذا المهرجان ليس كأي مهرجان ثقافي عادي في ظروف عادية، وسوف تدرك معني ما أقول عندما تعرف أن أعداء نهوض العراق من بين ركامه، وهم بالمناسبة لايفرقون عن أعداء مصر، يسعون بكل الوسائل ليظل منكفئاً، لايستطيع حتي أن يضمد جراحه، ويطهرها تمهيداً لاستعادة عافيته لذلك وقبل أيام من تنظيم مهرجان العام الماضي فجر انتحاري نفسه في السيطرة الأمنية - كمين- الملاصقة لمنطقة بابل الأثرية، حيث يتم تنظيم المهرجان، واستشهد أكثر من 30 عراقيا.
هذا المهرجان، وغيره من المهرجانات الثقافية أصبحت وسيلة من وسائل المواجهة مع قوي الإرهاب التي ترتدي مرة ثوب داعش، ومرات أثواب جبهة النصرة، أو بيت المقدس، أو غيرها من التنظيمات التكفيرية التي صنعتها أجهزة استخباراتية غربية لتهدم الكيان والبيت العربي من الداخل.
وبمشاركة مبدعين من عشر دول، عربية وأجنبية عقدت علي مدار أسبوع كامل فعاليات مهرجان بابل للثقافات والفنون العالمية، الذي افتتح أعماله بصورة مبهرة وسط جمهور كبير أتي من العديد من المناطق العراقية المجاورة.. المهرجان كان هذا العام أشمل، ولم يطغ فيه الشعر علي بقية الإبداعات كما حدث في السنوات السابقة.. كانت هناك عروض موسيقية وأغان تراثية ومعاصرة، وشعر ورواية وعروضاً للأزياء العراقية التراثية، وحتي المسرح والفنون التشكيلية ويمكن أن تقول إن المهرجان كان منصة للأدب والفكر والفن والموسيقي، وكان بمثابة حوار حضاري، حيث شارك فيه مبدعون من إيران وبريطانيا وسويسرا، وكندا من خلال 34 فعالية.
الدكتور علي الشلاه رئيس المهرجان، ورئيس التيار الثقافي الوطني العراقي قال في كلمة الافتتاح بعد الوقوف دقيقة علي أرواح شهداء العراق »‬احترنا في اختيار شعار المهرجان.. هل نجعله أسد بابل دليلاً علي القوة التي نحتاج إليها في مواجهة الإرهاب أم بوابة عشتار والمسلة الخاصة بحامورابي، وانتصرنا للثقافة لأننا نعتقد أن القيثارة تهزم المدفع.. وقال إن المهرجان يؤكد أننا انتصرنا علي الإرهاب وعلي محاولات داعش إيقافه بمحاولة تفجيره لدورتين متتاليتين.. ولكن بقي العراق.
ثم قدمت دار الأزياء العراقية عرضاً فريداً للأزياء الرافدينية مستوحاة من حضارة بابل وسومر.. ثم تقديم العروض الحية مع تعليق صوتي وموسيقي مستوحاة من عبق التاريخ، حيث إن الرافدين لها فضل علي معرفة الانسانية للموسيقي.
وبين العروض الخاصة بالأزياء كانت هناك عروض للفنون الشعبية ثم فيها المزج بين عروض الأزياء ورقصات الفن الشعبي.. هنا عروض  الرقص الشعبي ليست مثل الرقصات الشعبية عندنا.. الأمر في العراق مختلف لأن السياسة كانت حاضرة، والانتماء العرقي والطائفي لابد أن يكون ممثلاً، وإلا فأنت تدخل في نفق مظلم.. لذلك مثلت رقصات الدبكة في الافتتاح كل الأطياف العراقية، من عرب، وتركمان وأكراد وإيزيديين إلي غير ذلك.. تذكرت ساعتها مصر، وكيف أنجانا الله تعالي من لعنة الطائفية ورغم التنوع الثقافي، إلا أنه لم يكن يوماً عنصراً من عناصر التشرذم بقدر ما كان ثراءً وميزة نسبية لمصر التي هي أشبه بلوحة »‬الموزاييك».
مصر كانت حاضرة بقوة رغم صغر الوفد الذي تمثل في الشاعر الكبير سامح محجوب الذي أبدع قصيدة »‬أتعبت موتك في الحضور وفي الغياب» وقصيدة :أهلي يخونون أهلي» وكذلك الروائية صفاء النماراني قدمت قرارات من أحدث  أعمالها، وكاتب هذه السطور.
علي مدار عدة أيام كانت هناك أماس شعرية أساسها لشعراء من العراق، وهم هنا يتنفسون شعراً، المرأة تنافس الرجل في قرض الشعر والشيخ الأشيب يتباري في قصائد العشق والغرام ويشكو لوعة فراق الحبيبة، ربما أفضل، واكثر حرقة من الشعراء الشباب.
الملاحظة التي لاتخطئها عين هي أحوال الحرب، والدمار التي يعاني منها العراق منذ سنوات علي مفردات الشعراء فتجد كلمات الدمار، والدم، وأصوات طلقات الرصاص، والاشلاء حاضرة حتي في قصائد الغزل والحب والغرام!! الأسماء التي شاركت من العراق كانت كثيرة وكبيرة بدأها الشاعر الكبير إيهاب المالكي في احتفالية الافتتاح ثم شارك الشعراء صادق الطريجي، وعامر  قاصي.
كما شاركت سوريا بشعراء كان أبرزهم الشاعرة عبير سليمان وصبا قاسم.. وكانت الشاعرة الكندية نويومي فويل صاحبة أرقي وأفضل القصائد رغم أنها مترجمة لعمق التجربة الإنسانية التي أرخت فيها لمأساتها مع مرض السرطان بالشعر.
كذلك احتضن معبد فنماخ سلسلة محاضرات للبروفيسور ريتشارد ديمبرل ممثل المتحف البريطاني حول ابرز المصطلحات السومرية القديمة الأكثر تداولاً في تلك الحقبة الماضية وارتباطها بالعالم المتحضر.. قال ريتشارد إن آخر دراسة له أثبتت وبشكل قطعي أن حضارة بابل هي الأصل في اكتشاف فنون الموسيقي والرقص والسلم الموسيقي، بل وإنشاء النوتة الموسيقية، وهو ما يعني أن حضارة بابل سبقت الحضارة اليونانية في هذا الشأن.
من الأنشطة المهمة التي احتضنها المهرجان، كان سمبوزيوم لأعمال 20 فناناً تشكيلياً من شتي أنحاء العراق داخل معبد تماخ، كذلك معرض للخط العربي إضافة إلي ورشة تفاعلية بحضور الجمهور للنحت علي جذوع النخيل، والحجر.. ولأهمية كل ذلك اعتبرت اليونسكو المهرجان يمثل جسراً لثقافات العالم.
جريمة في بابل!
رغم الأجواء الساحرة التي يمثلها تنظيم المهرجان داخل مدينة بابل الأثرية، إلا أن من لديه حد أدني من الثقافة الأثرية يدرك الجريمة التي تعرضت لها هذه المدينة الأثرية علي يد نظام صدام حسين تمثلت هذه الجريمة في عدة إجراءات تعسفية انتهت بإخراج هذه المدينة المهمة من قائمة التراث العالمي تمثلت الجريمة في عدة أشياء، منها اعتداء مباشر علي الآثار، واعتداء غير مباشر بتشويه الحرم الأثري.
أغرت المنطقة الأثرية لمدينة بابل صدام حسين، فقام نظامه باستحداث جبل صناعي، جلبوا تربته من حفر عدة مناطق مجاورة تحولت إلي بحيرات صناعية، وقاموا بنقل ناتج الحفر وصنعوا منه جبلاً صناعياً، وقاموا بدك التربة، وفوقها صنعوا قصراً لصدام يطل من خلاله علي المنطقة الأثرية، وعلي نهر الفرات الذي بقي شاهداً علي الجريمة..
الأخطر أن هناك مجموعة من الجهلة قاموا بأكبر جريمة، يمكن أن ترتكب في حق أثر، قاموا بتحديد الأماكن الأثرية، وإضافة - وأكرر إضافة- ما تهدم منها عبر الزمن باستخدام طوب حديث، نقشوا عليه اسم صدام حسين، لكي يخلدوه في التاريخ.. وهم بالفعل حلدوه ولكن كقاتل للبشر، ومخرب للآثار والتاريخ والتراث.
بوابةعشتار.. لم تكن موجودة لأنها مسروقة ومحفوظة في متحف برلين، قاموا ببناء أخري، لونوها بألوان حديثة.. الجدران تستطع أن تري ببساطة أنها جديدة، القديم والأثري محدود.. لمحت بعثة أثرية تعمل فيما تبقي، ونجا من يد رجال صدام.. يحاول العراق إدراج آثار بابل من جديد في قائمة التراث العالمي بعد خروجها بسبب هذه الجريمة..


عن جريدة أخبار الادب المصرية .



footer

اقسام الموقع

  • علوم وتقنية
  • حوارات
  • صحة
  • مقالات
  • اقتصاد
  • فنون
  • رياضة
  • دار بابل
  • اصدارات
  • عن بابل
  • كتاب الشهر
  • الاتصال بنا