بابــــل الجديدة

السبت11252017

Last updateالإثنين, 20 نيسان 2015 3pm

Back أنت هنا: الرئيسية حوارات نعيم عبد مهلهل:السياسة في العراق ترتبط بالمتلون الحضاري والاجتماعي والديني

حوارات

نعيم عبد مهلهل:السياسة في العراق ترتبط بالمتلون الحضاري والاجتماعي والديني

بابل الجديدة - عدنان أبو زيد : يرى الكاتب،والروائي،والشاعرنعيم عبد مهلهل ان التأريخ هو صحيفة الحياة التي لا تحتاج الى رئيس تحرير ولا مراسل، ولا حتى مطبعة خاصة به، لأنه لسان حال ما تنتجه البشرية وتسجل خطواته بأشكال شتى، وفي النهاية إذا أردنا التأريخ فنجده بمجرد حكاية في كتاب، معرباً في متن الحوار الذي أجراه معه مراسل وكالة كردستان للانباء(آكانيوز) عن اعتقاده بأننا لا نؤرشف التأريخ، بل هو من يؤرشفنا حين يضعنا تحت رحمة من يأتون بعدنا،ويقول مهلهل ان العراق بلد مسيس بأزلية التأريخ معه، انها قدريته وضعتها الشرائع الاولى وهواجس الملوك وحسابات الكهنة ولم يزل حتى اليوم،هذا البلد لا يعرف غير السياسة،لكن السياسة في العراق ترتبط بالمتلون الحضاري والاجتماعي والديني والعرقي الذي يشكل الفسيفساء العراقية وقضية الإرضاء هنا وتوحيد الخطاب والمسار تبدو من المستحيلات.





* نعيم عبد مهلهل مذهول بأرشفة التفاصيل ووضعها على رفوف التاريخ،، إلى أي مدى نجح مهلهل في ذلك؟
-في البدء انت تدرك أن الماضي هو الذي سيؤرشف يومنا هذا بتفاصيل متعددة النوايا والمصداقية وجميعها يشكل هاجسا مدوناً أو محكيا يسمونه التأريخ، والتأريخ هو صحيفة الحياة التي لا تحتاج الى رئيس تحرير ولا مراسل ولا حتى مطبعة خاصة به، لأنه لسان حال ما تنتجه البشرية، ويسجل خطواته بأشكال شتى وفي النهاية، إذا أردنا التأريخ فنجده بمجرد حكاية في كتاب، وأعتقد أننا لا نؤرشف التأريخ، بل هو من يؤرشفنا حين يضعنا تحت رحمة من يأتون بعدنا، ولكننا نجاهد دوما لنضع شيئا منا في هذه الأرشفة تشير الى نقطة ضوء تقول لمن يأتي بعدنا إننا كنا هنا بمقدار جهدنا وعطائنا، وأظن أن التأريخ بدهشته يكمن في نتاج الفرد، والنتاج الجماعي هو المظهر العام لسير الحركة العامة للحضارات، في حين الصناعة الفردية للتاريخ تجعلك محط الأنظار حتى بعد رحيلك، وهناك امثلة للأنبياء والفلاسفة والقياصرة والشعراء وجنرالات الحروب.
أنا بسبب وجود القلق التأريخي في ذاكرة المكان والبيئة وخصوصية الغبار ورائحة الطين التي تملأ صدورنا منذ طفولة أور ونحيب الفرات وقطع رؤوس النخيل بشظايا الحروب والطائرات والى ارائك المنفى أيقنت أن الأرشفة لموجودات حياتنا هنا وهناك هي من تديم حياتنا وتسلط شيئا من نجومية ما كنا نمتلكه من جنوب أثير هناك، كان هذا الجنوب السبب الأول من جعل ديوارانت صاحب كتاب قصة الحضارة يقول عبارته الشهيرة (سيبقى الشمال والى الأبد يضخ للعالم القادة والحكماء، وسيظل الجنوب والى الأبد يمنح العالم المقاتلين والقديسين)،بسبب كل هذه التواريخ المتشعبة الشهوات علينا أن نؤرشف حياتنا ومنتجها حتى يدرك القادم أننا صناع حلم وليس صناع غمد السيف وبرج الدبابة، هي حياتنا،ستشعر بالفخر حين ندون نبضها ومشاعرها وأحلامها، وأمامي الآن آلاف السنين من الطين والحجر والتمائم والمسلات والأساطير ولحظات سماع الموسيقا وتبادل الغرام إذا لم اقم بأرشفتها بما يليق انتمائي اليها فحتما لا يحق لي ان افاخر أني من ذاك الجنوب الذي يلد المقاتلين والقديسين فقط، وأعتقد انني نجحت، لأن عملي الارشيفي يصور بقاء يليق بي في كتاب أو صحيفة أو محفل أدبي.

*نقترب مع نعيم عبد مهلهل في السياسة، كيف ترسم صورة المستقبل العراقي، انفصال الكيان الواحد وفيدرالية تحظى بموافقة الجميع، أم ثمة خيارات أخرى؟
-العراق بلد مسيس بأزلية التأريخ معه، انها قدريته وضعتها الشرائع الاولى وهواجس الملوك وحسابات الكهنة ولم يزل حتى اليوم،هذا البلد لا يعرف غير السياسة من تؤشر فيه الى مسارات حياته، حاله حال كل البلدان،لكن السياسة في العراق ترتبط بالمتلون الحضاري والاجتماعي والديني والعرقي الذي يشكل الفسيفساء العراقية وقضية الإرضاء هنا وتوحيد الخطاب والمسار تبدو من المستحيلات، كان الملك فيصل الأول رحمه الله يقول: جئت الى بلد تحتار فيه، وربما هذه الحيرة من جعلت موته وموت ذريته بعده يتأرجح بين الغموض والمشهد الدموي، وربما استمرت بعدهم على الشاكلة نفسها مصائر رؤساء جمهوريات هذا البلد، عدا الرئيس عبد الرحمن عارف الذي مات موتا هادئا وكريما بعد عمر طويل.
قدرية الملوك والرؤساء بهذا الشكل هي من تقرب لنا صورة المشهد السياسي في العراق بماضيه وفي مستقبله ايضا،وتجعلنا مفتوحين على كل الاحتمالات وأقربها تلك التي تضعنا في صورة التشاؤم. أن العراق سوف لن يكون كما كان في عهد الرشيد أو فيصل الاول أو الزعيم عبد الكريم، سيحكمه مزاج فوضى التابع والمتبوع والراجع والمرجع والخائفة والطائفة وستنتهي به الأحوال الى مشاريع الادلجة المصطفة والأقلمة وهو ما أظنه المؤامرة التاريخية على وجود كيان اسمه العراق.
هذا التشاؤم هو موجود وسأحاربه بالتفاؤل، أن البلاد عليها ألا تضع مقاديرها في جيوب اللصوص والشعارات والزيف الذي يرتدي جبة الدين والوطنية في سبيل نيل المكاسب،وسأظل أرى في بعض الوجوه بركة عراقيتها بالرغم من ندرتهم وقلتهم، ولكن في النهاية ما يسكن ذاكرتي الروحية والتحليلية أن العراق إذا بقي يعيش هذا المشهد بكل أمراضه وعقده و تكالباته فأنسى أن هناك عراقا من زاخو الى الفاو.

*تجربتك في المنفى، كيف ترسم من خلالها صورة الإبداع العراقي في الخارج ؟
-هناك بيت شعري للشاعر التركي ناظم حكمت يقول: المنفى يا حبيبتي مهنة شاقة، أنا لا املك منفى،بل املك مهجراً، والمنفى هو منفى الروح وليس منفى الوطن، لكنه بالنسبة لي على هذه الحال مثل رابية هادئة بحديقة يسمح لك فيها العطر بكتابة القصائد ومناجاة من هم هناك في الوطن البعيد الذين أراهم واحدا واحدا واسمع آهاتهم وضحكاتهم بالرغم من آلاف أميال النأي، وأفتخر أن تجربتي غنية ومثمرة ومنتجة، اكتب مقالاتي الصحفية اليومية والأسبوعية في ست صحف عراقية وثلاث صحف عربية، ولدي مقالات يومية في مواقع الكترونية مقروءة وصفحتي في الفيس بوك بها آلاف القراء والأصدقاء.
وفي كل عام يصدر لي اكثر من خمسة كتب بين ديوان ورواية وكتاب عن الميثولوجيا الرافدينية التي اعشقها كثيرا، صورتي هذه هي صورة مقربة للإبداع العراقي في الخارج، فالذين يعيشون غربة الابداع من العراقيين في كل امكنة العالم اراهم وأتابعهم وهم صناع احلام رائعة، ومنتجون جيدون للأحلام من خلال اصداراتهم وأنشطتهم الثقافية، ثمة طارئون على الابداع العراقي أتت بهم ظروف ما يحاولون ان يمسكوا جزءا من صارية السفينة المهاجرة، يقيمون انشطة ويصدرون نتاجا دون مستوى الطموح، ويؤسسون جمعيات مظمات ناشطة، وهؤلاء هم نتاج ما يحدث الان في هياج البلاد،وفي النهاية كما يقول بورخيس "النجوم من تكمل شعلة الضياء في هذا الليل الطويل وليس أعواد الثقاب".

*هل نجحت الحالة العراقية اليوم في إيقاف تسييس الأدب؟ وهل تتحسس هاجس حرية ما مقارنة بزمن ما قبل العام 2003 ؟
-من الصعب جدا ان تبعد الأدب عن السياسة وخاصة في بلد كالعراق، نحن نتوارث الشعور المسيس من نظرات ابائنا ومن انشاء اللغة العربية من الرابع الابتدائي ومن شعارات الجدران، كل شيء في العراق نتاج سياسة حتى الغذاء الذي يدخل بطوننا بمكرمة من البطاقة التموينية، ولم تستطع اي حالة منذ ان أحرقت اور على يد العيلاميين قبل آلاف الأعوام وحتى مؤتمر قمة بغداد الأخير من تغيير هذا الواقع.
لا تستطيع ان تبعد قلمك وهاجسك عن الذي يجري،الحالة العراقية القديمة كانت حالة الانقلابات وأحواض التيزاب والشظايا ونوط الشجاعة و (ياحوم اتبع لو جرينة) وجبهات بحيرة الأسماك وصواريخ الكروز وسيجار المهيب المشنوق،وكان فيها الذاتي الحالم فوق ربايا الجبل وأمنيات نهاية الحروب والأغاني السبعينية المدهشة،واليوم هو الحالة الامنية والديمقراطية وتظاهرات ساحة التحرير وخواطر الزرقاوي المقيتة و فتاوى الذبح والطائفية وجند السماء وألف صحيفة وفضائية وسيارات الدفع الرباعي والشهادات المزورة والحرية المفتوحة الأذرع والنوافذ ورواتب الموظفين العالية، وهكذا ترى في القديم والجديد هناك المتناقضات بكل صورها والجميع هنا يراه الأديب وعليه ان يعكسه في الخفي والمعلن، اذن السياسة بقيت تهيمن على ذاكرة الأدب وتفرض رؤاها وستبقى، لان القدرية التاريخية لهذه البلد امس واليوم وغدا تشكلت بهذا الشكل.

نال العراقي هامشا متسعا من الحرية، ولكن اثمان الحرية تختلف في اسواق المزايدات،بعضنا يسيء اليها،وبعضنا يساء اليه حين يمارسها والنسب تراها في نشرات الأخبار. البعض يرى في تجارب شعراء الخارج، عوالم افتراضية لا تصلح للواقع، ولاسيما ان اغلب كتاب العراق ومثقفيه آثروا البقاء في برج الغربة العاجي بديلا عن النزول مع الناس الى الشاعر حيث المعاناة والقلق المستمر.

* ما آخر أعمال نعيم عبد مهلهل الادبية؟
-أنجزت رواية جديدة عنوانها (مقابر الانكليز في بابل) ستصدر عن دار ميزابوتاميا في بغداد، ودار صفحات في دمشق وأعتقد أن هذه الرواية ستثير الكثير من شجن التأريخ والايروتيكيا والشعر، هي قصة طويلة لحلم طويل لبلاد وعباد وعتاد، كما تصدر لي من الدار نفسها مجموعتي القصصية الجديدة (غراميات شاكيرا وسلمان المنكوب) وديواني الشعري الجديد (أناث ساحة التحرير).
*كيف تتلمس تأثير الشرق ولاسيما العرب على الحياة الثقافية الأوربية، هل ثمة ما أثار انتباهك في الآمر؟
-قبل القرن العشرين في اوروبا كانوا يعرفون الشرق من اربع نوافذ هي الأندلس، الف ليلة و ليلة، الحروب الصليبية، الاستشراق، وفي كتاب الاستشراق لادوارد سعيد ثمة مفاتيح لهذه الرؤية والتي اغلبها هي نتاج المحك الحضاري والتقارب الجغرافي والمشترك التاريخي، لكن بعد العصر الامبريالي الجديد تغير الحال كثيرا وكان للتوافد العربي الممنهج برؤيتي العلم واختيار المنفى دور كبير في ذلك، غير أن المؤثر الثقافي ظل ضعيفا واغلبه لصالح الثقافة الاوربية أي نحن من يتأثر ولا نؤثر وبقينا في اغلب انشطتنا نعيش في حدود رؤية الجغرافية والمكان ونرهب كثيرا من فكرة المزاوجة إلا فيما ندر، لم يلفت انتباهي إلا تلك المغامرات الجريئة للبعض وتكاد تكون انفرادية، وربما الأدب المغاربي واغلبه من الجزائر وتونس والمغرب له السبق في هذا، ولكن كان ذلك في ستينيات القرن الماضي، الآن العولمة اوجدت رؤى جيدة للاتصال الحضاري ومن بعض جزئياته الاتصال الثقافي وقد تعيش عليه بعض تجارب الوهم والتي تظهر للعالم صورة هي عكس امكانياتها وقدرتها ولكنها تنجح بفعل المصادفة والحظ والمراوغة.

*هل نجح المثقف العراقي في التماهي مع الحالة العراقية الجديدة، البعض يشير الى حالة انكفاء وذهول ثقافي مما حدث في السنوات العشر الأخيرة ؟
-في العراق نحن وليدو الفترات الطويلة بكل خصائصها وطبائعها وثقافتها، هذا قدر اجتماعي وتاريخي لا مفر منه، لاشيء يتغير في يوم وليلة، أنا نفسي وليد ثقافة الحرب ولن أخجل كي لا اقول ذلك، لأنني وعيت مع حرف اسمه الشظية ولم تصل الصحف في مدينتي سوى صحيفة مادتها الثقافية عن الحرب والوطن والرموز التي تقول لنا أننا من امة وصلت الصين وانتصرت في حطين، اغلقوا امام كل ابواب الولوج الى العالم الذي كانت فيه جماليات باريس ادونيس وسارتر وبرجيت باردو.
سقط النظام لكن ارثه الكامن بقي يراودنا ليس بالحنين بل بالقلق والندم والتطبع،قلق من ان تبدأ الرؤى الجديدة فيقال عنك متلون، وندم انك افنيتَ شطرا كبيرا من عمرك تحت ظل خديعة، وتطبُعْ أنكَ اصبحت مقولب على نمط المنتج وبنائه حتى وان تغير الزمن، ربما هذه الاشكالية للمثقف العراقي لم يصرح بها احد ولكنها حقيقة ومن الجبن ان نهرب منها، لأنها حياتنا التي عشناها بحلوها ومرها، و اظن انها تحتاج لشجاعة لتقال او يتم الاعتراف بها.

*ما مشاريع نعيم عبد مهلهل المقبلة، ثقافيا وحياتيا، وهل ثمة عودة نهائية إلى الوطن الأم؟
ــ أنا اكتب،وسأبقى أكتب مادام الهواء في رئتي، لدي مخطوطة جديدة عن رؤاي الدائمة عن الديانة العراقية القديمة (المندائية) وهي واحدة من اعرق الديانات العراقية القديمة وهو كتابي الخامس عن هذه الديانة التي افتخر وأنا المسلم ان الالاف من مريديها وأتباعها في كل العالم يعتبروني اخاهم غير المعمد بسبب دفاعي عن هذه الطائفة الرافدينية التي تمتاز بدهشة روحها واتصالها المضيء مع الرب والسماء والجنوب العراقي، كما انني بصدد انجاز كتاب عن الاهوار وهو الرابع لي في هذا الاختصاص لانني مسحور بهذا العالم البيئي القديم والجميل وقد قضيت اجمل سنوات الوظيفة معلما في أهوار مدينتي الرائعة الناصرية، وغير ذلك هناك الكثير.

العودة النهائية للوطن تكاد تكون مستحيلة لي ولغيري من المهاجرين عندما يكبر اطفاله هنا ويتعلمون وينالون الشهادات المدرسية ويستقر حالهم على نمط معين في الحياة يستغربون فيه ما يروه في نشرات الاخبار حين تقتل السيارات الناسفة الناس في الجملة في بلادهم التي يتفاخرون فيها امام اصدقائهم أنهم من العراق، وأبوهم صحفي وشاعر وروائي، وهم يستيقظون كل صباح ويذهبون الى المدرسة ولم يصادفهم يوما ما رجل بوليس عابس الوجه او برلماني يسير بموكب فيه عشرات (الحمايات) المسلحة، فالمحافظ في هذه المدينة يذهب الى عمله راكبا الدراجة الهوائية او الباص ولا أحد يعرف انه محافظ المدينة.

من:عدنان ابو زيد،تح:سلام بغدادي
footer

اقسام الموقع

  • علوم وتقنية
  • حوارات
  • صحة
  • مقالات
  • اقتصاد
  • فنون
  • رياضة
  • دار بابل
  • اصدارات
  • عن بابل
  • كتاب الشهر
  • الاتصال بنا